تعديل السلوكيات الاستهلاكية ودوره في خفض الانبعاثات .. إعداد د.عبدالمنعم صدقي استاذ رعاية الدواجن- معهد بحوث الانتاج الحيواني ـ مصر

- Europe and Arabs
- الخميس , 1 يناير 2026 7:26 ص GMT
يمثل الفاقد الغذائي أحد أكثر مظاهر عدم الكفاءة في النظم الغذائية الحديثة، كما يُعد في الوقت ذاته مصدرًا غير مباشر لكنه مؤثر لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري. إذ تشير التقديرات العالمية إلى أن ما يقارب ثلث الغذاء المنتج سنويًا لا يصل إلى المستهلك النهائي، بل يُفقد أو يُهدر في مراحل مختلفة من سلسلة الإمداد الغذائي، بدءًا من الحصاد والإنتاج الأولي، مرورًا بعمليات النقل والتخزين والتصنيع، وانتهاءً بسلوكيات الاستهلاك داخل المنازل والمؤسسات. ويعكس هذا الحجم الكبير من الفاقد اختلالًا هيكليًا في إدارة الموارد الغذائية على المستوى العالمي.
ولا تقتصر آثار الفاقد الغذائي على الخسائر الغذائية والاقتصادية فحسب، بل تمتد لتشمل هدرًا واسع النطاق في الموارد الطبيعية المستخدمة في إنتاج الغذاء، مثل الأراضي الزراعية والمياه والطاقة والمدخلات الزراعية. فكل كمية غذاء يتم التخلص منها تمثل استنزافًا غير مبرر لهذه الموارد، إضافة إلى الطاقة المستخدمة في عمليات التصنيع والتعبئة والنقل والتبريد، والتي غالبًا ما تعتمد على الوقود الأحفوري. ونتيجة لذلك، فإن الفاقد الغذائي يتضمن بصمة كربونية “غير مرئية” تراكمت دون تحقيق أي منفعة غذائية أو اجتماعية.
علاوة على ذلك، يسهم التخلص غير السليم من الغذاء المهدَر في زيادة الانبعاثات، خاصة عندما ينتهي به المطاف في مكبات النفايات، حيث يتحلل في ظروف لاهوائية مولدًا غاز الميثان، الذي يُعد من أقوى غازات الاحتباس الحراري من حيث تأثيره على الاحترار العالمي. وتزداد خطورة هذا الأثر في حالة الفاقد من المنتجات الحيوانية، التي ترتبط أصلاً بانبعاثات مرتفعة خلال مراحل إنتاجها، مما يجعل هدرها مضاعف الأثر من الناحية البيئية.
في هذا السياق، يبرز تعديل السلوكيات الاستهلاكية والإنتاجية كمدخل أساسي وفعّال للحد من الانبعاثات المرتبطة بالغذاء. فتبني ممارسات أكثر وعيًا في التخطيط للشراء، وتحسين أساليب التخزين، وترشيد الاستهلاك، إلى جانب تحسين كفاءة سلاسل الإمداد وتقليل الفاقد في مراحل ما قبل الاستهلاك، يمكن أن يسهم بشكل ملموس في خفض الانبعاثات دون الحاجة إلى تغييرات تكنولوجية معقدة أو تكاليف مرتفعة. ومن ثم، فإن تقليل الفاقد الغذائي يمثل أحد الحلول السلوكية السريعة والأكثر جدوى لتحقيق أهداف الاستدامة المناخية وتعزيز كفاءة النظم الغذائية على المدى الطويل.
الفاقد الغذائي كبصمة كربونية غير مرئية
كل وحدة غذاء يتم التخلص منها تمثل انبعاثات كربونية أُطلقت دون تحقيق فائدة غذائية. فعلى سبيل المثال، اللحوم ومنتجاتها، رغم كونها أقل حجمًا من حيث الفاقد مقارنة بالخضروات، إلا أن أثرها الكربوني أكبر بكثير بسبب كثافة الانبعاثات في مراحل إنتاجها. ويؤدي الفاقد الغذائي أيضًا إلى انبعاث غازات إضافية عند التخلص منه في مكبات النفايات، خاصة غاز الميثان الناتج عن التحلل اللاهوائي للمواد العضوية، وهو من أقوى الغازات المسببة للاحتباس الحراري.
تعديل سلوكيات الشراء والتخزين
يساهم التخطيط الواعي للشراء وتجنب الاستهلاك المفرط في تقليل الفاقد الغذائي بشكل ملموس. فشراء كميات تتناسب مع الاحتياجات الفعلية، وفهم تواريخ الصلاحية والتمييز بين تاريخ “الانتهاء” وتاريخ “الأفضل قبل”، يؤديان إلى خفض كميات الغذاء التي يتم التخلص منها دون داعٍ. كما أن تحسين ممارسات التخزين داخل المنازل والمحال التجارية يساعد في إطالة العمر الافتراضي للمنتجات الغذائية وتقليل خسائرها.
أنماط الاستهلاك الغذائي وتقليل الهدر
تلعب أنماط الاستهلاك دورًا مهمًا في حجم الفاقد الغذائي، إذ يؤدي الإفراط في إعداد الوجبات أو تفضيل معايير شكلية صارمة للأغذية إلى زيادة كميات الطعام المهدرة. ويُعد تبني سلوكيات استهلاكية أكثر مرونة، مثل الاستفادة من بقايا الطعام وإعادة توظيفها بطرق آمنة، أحد الأساليب الفعّالة لتقليل الفاقد وخفض الانبعاثات المرتبطة بإنتاج غذاء بديل.
دور التوعية والسياسات العامة
تعد التوعية المجتمعية ركيزة أساسية في تغيير السلوكيات المرتبطة بالفاقد الغذائي، حيث يسهم رفع الوعي بالعلاقة بين الهدر الغذائي وتغير المناخ في تحفيز الأفراد والمؤسسات على تبني ممارسات أكثر استدامة. كما تلعب السياسات العامة، مثل تشجيع التبرع بالفائض الغذائي، وتحسين إدارة النفايات العضوية، وتبني الاقتصاد الدائري في القطاع الغذائي، دورًا محوريًا في الحد من الفاقد والانبعاثات في آن واحد.
الخلاصة
إن تعديل السلوكيات المرتبطة بالإنتاج والاستهلاك الغذائي يمثل أحد أقل الحلول تكلفة وأكثرها تأثيرًا في خفض الانبعاثات المرتبطة بتغير المناخ. فالحد من الفاقد الغذائي لا يسهم فقط في تعزيز الأمن الغذائي وتحسين الكفاءة الاقتصادية، بل يشكل أيضًا أداة فعّالة لتقليل البصمة الكربونية للأنظمة الغذائية ودعم التحول نحو مسارات تنموية أكثر استدامة.

لا يوجد تعليقات