الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يتضاعف.. في ظل مخاوف الاوروبية من الهيمنة الاميركية .. شركات "بيغ تيك" تزيد إنفاقها إلى أكثر من 700 مليار دولار هذا العام

- Europe and Arabs
- الأحد , 15 فبراير 2026 7:50 ص GMT
واشنطن ـ بروكسل : اوروبا والعرب
أعلنت سلسلة من شركات التكنولوجيا الكبرى عن نتائجها خلال الأسابيع القليلة الماضية، غير أن المعطى الذي شدّ انتباه وول ستريت أكثر من غيره هو تقديرات الإنفاق الرأسمالي (CapEx) لعام 2026، والتي تصل مجتمعة إلى أكثر من 700 مليار دولار (590,3 مليار يورو). وسيُوجَّه معظم هذا الرأسمال إلى تطوير بنى تحتية ومنتجات وخدمات مرتبطة بـالذكاء الاصطناعي، في تأكيد على التحول الحاسم الذي بدأ العام الماضي، حين أنفقت شركات التكنولوجيا الكبرى ما يقدَّر بنحو 460 مليار دولار (387 مليار يورو) على استثمارات رأسمالية متصلة بالذكاء الاصطناعي. وحسب مانشر موقع شبكة الاخبار الاوروبية في بروكسل " يورونوز" ، تتصدّر أمازون هرم الإنفاق المخطط لعام 2026، إذ تتوقع وحدها ضخ نحو 200 مليار دولار (170 مليار يورو) في الإنفاق الرأسمالي؛ وللمقارنة، باتت خطة الإنفاق الخاصة بالشركة تقترب من إجمالي الناتج المحلي السنوي لليونان. وتأتي "ألفابت"، الشركة الأم لـ"غوغل"، في المرتبة التالية بنحو 185 مليار دولار (155 مليار يورو)، بينما تستعد "ميتا" و"مايكروسوفت" لإنفاق ما يقارب 135 مليار دولار (113 مليار يورو) و105 مليارات دولار (88 مليار يورو) على التوالي. وبدورها رفعت "أوراكل" إنفاقها الرأسمالي المخطط لعام 2026 إلى 50 مليار دولار (42,1 مليار يورو)، أي أعلى بنحو 15 مليار دولار (12,6 مليار يورو) من التقديرات السابقة، فيما تعتزم "تيسلا" مضاعفة إنفاقها هذا العام ليصل إلى نحو 20 مليار دولار (16,8 مليار يورو). أما "آبل" فما زالت متأخرة على صعيد الإنفاق، مع توقعات بميزانية لا تتجاوز 13 مليار دولار (10,9 مليار يورو)، غير أن الشركة أعلنت الشهر الماضي عن شراكة تمتد لعدة سنوات مع "غوغل" لدمج نماذج الذكاء الاصطناعي "جيمِني" في الجيل المقبل من منصة "Apple Intelligence".
وستركّز هذه الشراكة تحديداً على إعادة بناء المساعد الصوتي "سيري" وتعزيز قدرات الذكاء الاصطناعي على الأجهزة نفسها، ما يعني عملياً أن "آبل" تستعين بطرف خارجي لتحمّل جزء من الاستثمارات الضرورية للحفاظ على قدرتها التنافسية في سباق تطوير الذكاء الاصطناعي. أما شركة "نفيديا" فلن تعلن نتائجها وتوقعاتها إلا في وقت لاحق من هذا الشهر، وهي عادة لا تنفق على الذكاء الاصطناعي بالحجم نفسه الذي تنفقه شركات الحوسبة السحابية العملاقة "هايبرسكيلرز". فبحكم أن نشاطها الرئيسي يقوم على بيع وحدات معالجة الرسوميات (GPU)، أي المعالجات المتخصصة، يُنتظر أن تكون "نفيديا" المستفيد الأكبر من جانب كبير من الأموال التي تستثمرها شركات التكنولوجيا الكبرى الأخرى، ولا سيما في تجهيز مراكز البيانات. ووفقاً للرئيس التنفيذي جنسن هوانغ، من المتوقع أن تصل إيرادات الشركة من مراكز البيانات إلى 500 مليار دولار (421,2 مليار يورو) بحلول نهاية 2026.
التحول الكبير في توجيه رؤوس الأموال
تثير موجة الإنفاق الهائلة التي تخطط لها شركات التكنولوجيا الكبرى لعام 2026 مشاعر متباينة في وول ستريت؛ فمن جهة يدرك المستثمرون ضرورة وسرعة تطوير ميزات تنافسية في عصر الذكاء الاصطناعي، ومن جهة أخرى تُقلقهم ضخامة الفاتورة، ولا سيما أن تمويلها يعتمد على زيادات كبيرة في الاقتراض وتعليق نادر لبرامج إعادة شراء الأسهم. تاريخياً، كانت هذه الشركات تُحتفى بها بوصفها آلات لتوليد السيولة تُعيد ثروات طائلة إلى المساهمين عبر عمليات إعادة شراء الأسهم، لكن هذا النموذج يبدو في طور الانقلاب في عصر الذكاء الاصطناعي. وتُظهر بيانات الربع الأخير من 2025 أن عمليات إعادة الشراء المجمّعة في قطاع التكنولوجيا هوت بأكثر من 12,5 مليار دولار (10,5 مليار يورو)، إلى أدنى مستوى لها منذ 2018، فيما تتجه الشركات عوضاً عن ذلك نحو أسواق الدين. وتقدّر "مورغان ستانلي" أن شركات الحوسبة السحابية العملاقة ستقترض نحو 400 مليار دولار (335,7 مليار يورو) في 2026، أي أكثر من ضعف 165 مليار دولار (138,5 مليار يورو) التي اقترضتها في 2025، ما قد يدفع إجمالي إصدارات سندات الشركات الأمريكية ذات التصنيف الائتماني المرتفع إلى مستوى قياسي قدره 2,25 تريليون دولار (1,88 تريليون يورو) هذا العام.
في نوفمبر الماضي، كان أليكس هايسل، المحلل في "روتشيلد أند كو"، من الأصوات القليلة المعارضة حين خفّض تصنيفه لكل من "أمازون" و"مايكروسوفت". وكتب في مذكرة للعملاء أن "المستثمرين يتصرفون كما لو أنهم يقيمون خطط الإنفاق الرأسمالي لـ"أمازون" و"مايكروسوفت" على أساس أن اقتصاديات مرحلة الحوسبة السحابية الأولى cloud-1.0 لا تزال سارية"، في إشارة إلى هيكل الكلفة المنخفضة لخدمات الحوسبة السحابية الذي سمح لشركات التكنولوجيا الكبرى بالازدهار خلال العقد الماضي. لكنه حذّر من أن "ثمة مشكلات عدّة تشير إلى أن طفرة الذكاء الاصطناعي لن تسير بالطريقة نفسها، وأن كلفتها أعلى بكثير مما يدركه المستثمرون على الأرجح". ومن المرجح أن تنتقل المخاوف التي عبّر عنها هايسل إلى مزيد من المحللين مع تضخم الإنفاق الرأسمالي المرتبط بالذكاء الاصطناعي إلى مستويات أعلى بكثير في 2026، إذ إن سباق شركات التكنولوجيا الكبرى على الذكاء الاصطناعي يقوم اليوم على قدر هائل من الاستدانة. وما إذا كانت هذه الاستراتيجية ستؤتي ثمارها، ومن ستكون الشركات الرابحة أو الخاسرة في النهاية، فذلك ما ستكشفه السنوات المقبلة.
العجز الصناعي الأوروبي
في خضم هذا السباق المحموم على الإنفاق، تبرز أسئلة ملحّة حول قدرة أوروبا على المنافسة في معركة باتت تُخاض إلى حد كبير على مستوى الميزانيات العمومية. فبالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، تبدو المقارنة عبر الأطلسي صادمة: ففي حين تحشد شركات التكنولوجيا الأمريكية ما يقارب 600 مليار يورو في عام واحد، تكافح الجهود المنسقة داخل الاتحاد لمجاراة القوة المالية حتى لإحدى الشركات الأمريكية العملاقة. وحاولت بروكسل الرد من خلال مبادرة "مصانع الذكاء الاصطناعي" وخطة "قارة الذكاء الاصطناعي" التي أُطلقت في أبريل 2025، والهادفة إلى تعبئة استثمارات مشتركة بين القطاعين العام والخاص، غير أن الأرقام تروي قصة أكثر قسوة؛ إذ يُتوقع ألا يتجاوز إجمالي الإنفاق الأوروبي على البنى التحتية السحابية السيادية 11,5 مليار يورو في 2026. ورغم أن هذا الرقم يمثل زيادة محترمة تبلغ 83% على أساس سنوي، فإنه يبقى هامشياً مقارنة بحجم الاستثمارات الأمريكية. وكان آرثر منش، الرئيس التنفيذي للشركة الفرنسية "ميسترال للذكاء الاصطناعي"، قد صرح العام الماضي بأن "الشركات الأمريكية تبني ما يعادل برنامج أبولو جديداً كل عام"، مضيفاً أن "أوروبا تضع تنظيماً ممتازاً مع قانون الذكاء الاصطناعي، لكن لا يمكن بلوغ التفوق في القدرة الحاسوبية عبر التنظيم وحده". وتمثّل "ميسترال" واحداً من الاستثناءات القليلة في مشهد المقاومة الأوروبية بسباق الذكاء الاصطناعي؛ فالشركة الفرنسية تتبع استراتيجية مشابهة لنظيراتها الأمريكية، عبر توسيع حضورها المادي بقوة. وبعد جولة تمويل بقيمة 1,7 مليار يورو في أواخر 2025، بدعم لافت من عملاق أشباه الموصلات "ASML"، أعلنت "ميسترال" عن خطة إنفاق رأسمالي قدرها 1 مليار يورو لعام 2026، مؤكدة هذا الأسبوع بدء أعمال بناء مركز بيانات رئيسي في مدينة بورلينغه بالسويد. وتُعد هذه الخطوة مفصلية بالنسبة إلى "ميسترال" لأنها أول استثمار بنيوي كبير لها خارج فرنسا، كما أنها تحمل دلالات مهمة على صعيد السيادة الأوروبية؛ ففي إطار شراكة مع مشغّل مراكز البيانات السويدي "إيكو داتا سنتر"، سيُستثمر نحو 1,2 مليار يورو لبناء منشأة مصممة لتوفير "قدرة حوسبة سيادية" متوافقة مع المعايير الصارمة للاتحاد الأوروبي في مجال البيانات، ومستندة إلى وفرة الطاقة الخضراء في السويد. في المقابل، تحاول الشركات الأمريكية العملاقة تهدئة المنظمين الأوروبيين من خلال تقديم حلول "sovereign-light"؛ إذ أطلقت عدّة مشاريع كبرى لمناطق سحابية محلية، على سبيل المثال في ألمانيا والبرتغال، متعهدة بضمان بقاء البيانات داخل الحدود الوطنية، غير أن منتقدين يرون أن هذه الحلول تظل معتمدة تقنياً على الشركات الأم في الولايات المتحدة، ما يترك الصناعة الأوروبية عرضة لتقلّبات الاقتصاد والسياسة في أمريكا. ومع تقدم عام 2026، تبدو رهانات الطرفين واضحة: فالولايات المتحدة تراهن تقريباً بكل ما لديها، بل وبتصنيفها الائتماني، على ترسيخ هيمنتها في مجال الذكاء الاصطناعي، بينما تأمل أوروبا، الحذرة والمقيدة من حيث رأس المال، أن تكفي الاستثمارات الموجّهة والتنظيم الحازم لانتزاع حيّز سيادي في عالم تُديره بدرجة متزايدة التكنولوجيا الأمريكية.
في خضم هذا السباق المحموم على الإنفاق، تبرز أسئلة ملحّة حول قدرة أوروبا على المنافسة في معركة باتت تُخاض إلى حد كبير على مستوى الميزانيات العمومية. فبالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، تبدو المقارنة عبر الأطلسي صادمة: ففي حين تحشد شركات التكنولوجيا الأمريكية ما يقارب 600 مليار يورو في عام واحد، تكافح الجهود المنسقة داخل الاتحاد لمجاراة القوة المالية حتى لإحدى الشركات الأمريكية العملاقة. وحاولت بروكسل الرد من خلال مبادرة "مصانع الذكاء الاصطناعي" وخطة "قارة الذكاء الاصطناعي" التي أُطلقت في أبريل 2025، والهادفة إلى تعبئة استثمارات مشتركة بين القطاعين العام والخاص، غير أن الأرقام تروي قصة أكثر قسوة؛ إذ يُتوقع ألا يتجاوز إجمالي الإنفاق الأوروبي على البنى التحتية السحابية السيادية 11,5 مليار يورو في 2026. ورغم أن هذا الرقم يمثل زيادة محترمة تبلغ 83% على أساس سنوي، فإنه يبقى هامشياً مقارنة بحجم الاستثمارات الأمريكية. وكان آرثر منش، الرئيس التنفيذي للشركة الفرنسية "ميسترال للذكاء الاصطناعي"، قد صرح العام الماضي بأن "الشركات الأمريكية تبني ما يعادل برنامج أبولو جديداً كل عام"، مضيفاً أن "أوروبا تضع تنظيماً ممتازاً مع قانون الذكاء الاصطناعي، لكن لا يمكن بلوغ التفوق في القدرة الحاسوبية عبر التنظيم وحده". وتمثّل "ميسترال" واحداً من الاستثناءات القليلة في مشهد المقاومة الأوروبية بسباق الذكاء الاصطناعي؛ فالشركة الفرنسية تتبع استراتيجية مشابهة لنظيراتها الأمريكية، عبر توسيع حضورها المادي بقوة. وبعد جولة تمويل بقيمة 1,7 مليار يورو في أواخر 2025، بدعم لافت من عملاق أشباه الموصلات "ASML"، أعلنت "ميسترال" عن خطة إنفاق رأسمالي قدرها 1 مليار يورو لعام 2026، مؤكدة هذا الأسبوع بدء أعمال بناء مركز بيانات رئيسي في مدينة بورلينغه بالسويد. وتُعد هذه الخطوة مفصلية بالنسبة إلى "ميسترال" لأنها أول استثمار بنيوي كبير لها خارج فرنسا، كما أنها تحمل دلالات مهمة على صعيد السيادة الأوروبية؛ ففي إطار شراكة مع مشغّل مراكز البيانات السويدي "إيكو داتا سنتر"، سيُستثمر نحو 1,2 مليار يورو لبناء منشأة مصممة لتوفير "قدرة حوسبة سيادية" متوافقة مع المعايير الصارمة للاتحاد الأوروبي في مجال البيانات، ومستندة إلى وفرة الطاقة الخضراء في السويد. في المقابل، تحاول الشركات الأمريكية العملاقة تهدئة المنظمين الأوروبيين من خلال تقديم حلول "sovereign-light"؛ إذ أطلقت عدّة مشاريع كبرى لمناطق سحابية محلية، على سبيل المثال في ألمانيا والبرتغال، متعهدة بضمان بقاء البيانات داخل الحدود الوطنية، غير أن منتقدين يرون أن هذه الحلول تظل معتمدة تقنياً على الشركات الأم في الولايات المتحدة، ما يترك الصناعة الأوروبية عرضة لتقلّبات الاقتصاد والسياسة في أمريكا. ومع تقدم عام 2026، تبدو رهانات الطرفين واضحة: فالولايات المتحدة تراهن تقريباً بكل ما لديها، بل وبتصنيفها الائتماني، على ترسيخ هيمنتها في مجال الذكاء الاصطناعي، بينما تأمل أوروبا، الحذرة والمقيدة من حيث رأس المال، أن تكفي الاستثمارات الموجّهة والتنظيم الحازم لانتزاع حيّز سيادي في عالم تُديره بدرجة متزايدة التكنولوجيا الأمريكية.

لا يوجد تعليقات