التكاليف البيئية تهدد المياه والأراضي والمناخ..مراكزالبيانات التي تشغل أنظمة الذكاء الاصطناعي تستخدم ما يعادل ثلاثة أضعاف إجمالي استهلاك الكهرباء السنوي في 3 دول يقطنها أكثر من 650 مليون نسمة

- Europe and Arabs
- السبت , 6 يونيو 2026 7:20 ص GMT
نيويورك : اوروبا والعرب
لا يقتصر الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي على التسبب في انبعاثات مقلقة من غازات الاحتباس الحراري المسببة لارتفاع درجة حرارة الأرض، بل إن البصمة البيئية لهذه التكنولوجيا تتوسع أيضا بوتيرة قد تنهك موارد الكوكب الطبيعية.
قد تستهلك مراكز البيانات التي تشغل أنظمة الذكاء الاصطناعي ما يصل إلى 945 تيراواط -ساعة من الكهرباء سنويا بحلول عام 2030، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف إجمالي استهلاك الكهرباء السنوي في كل من باكستان وبنغلاديش ونيجيريا مجتمعة، وهي دول يقطنها أكثر من 650 مليون نسمة.
ومع ذلك، فإن هذا مجرد غيض من فيض. فإلى جانب البصمة الكربونية، تنطوي كل وحدة كهرباء تستهلكها مراكز البيانات على "بصمة مائية" لأغراض التبريد وإنتاج الطاقة، و"بصمة أرضية" مرتبطة بتوليد الطاقة وسلاسل التوريد. بحسب ماجاء ف رة الاخبار اليومية للامم المتحدة التي تلقينا نسخة منها اضافت تحت عنوان :إعادة النظر في مقياس الاستدامة
وفقا لدراسة جديدة أجرتها جامعة الأمم المتحدة، قد يعادل استهلاك المياه المرتبط بالذكاء الاصطناعي الاحتياجات المنزلية السنوية الأساسية لـ 1.3 مليار نسمة بحلول نهاية العقد الحالي، في حين قد تتجاوز بصمته الأرضية 14,500 كيلومتر مربع، أي ما يعادل حوالي خمسة أضعاف مساحة محافظة القاهرة.
ويسلط التقرير الضوء على فجوة جوهرية في كيفية قياس الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي، إذ غالبا ما يتم التركيز على انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، ولا سيما تلك المرتبطة بتدريب النماذج الضخمة، بينما يغفل هذا النهج عن تكاليف بيئية أخرى.
فالحلول التي تعتبر "خضراء" من زاوية معينة قد تؤدي إلى تفاقم الضغوط في جوانب أخرى، لا سيما في المناطق التي تعاني أصلا من شح الموارد. على سبيل المثال، قد يؤدي التحول إلى مصادر معينة من الطاقة المتجددة إلى خفض الانبعاثات الكربونية، لكنه قد يتسبب في زيادة كبيرة في استهلاك المياه واستخدام الأراضي.
الاستخدام اليومي للذكاء الاصطناعي
تركز النقاش العام إلى حد كبير على الطاقة اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، إلا أن الدراسة أظهرت أن الاستخدام اليومي يمثل ما يتراوح بين 80 و90 في المائة من إجمالي الطلب على الطاقة، والأرقام مذهلة.
إذ تشير التقديرات إلى أن إحدى خدمات الذكاء الاصطناعي واسعة الانتشار تعالج نحو 2.5 مليار أمر توجيهي يوميا، مما يستهلك مئات الجيجاواط-ساعة من الكهرباء سنويا.
كما يختلف استهلاك الطاقة بشكل كبير باختلاف المهمة. فقد يتطلب توليد صورة واحدة بواسطة الذكاء الاصطناعي طاقة تفوق بأكثر من ألف ضعف الطاقة اللازمة لتصنيف نص بسيط، فيما يتطلب توليد مقاطع الفيديو موارد أكبر بكثير.
ومن غير المرجح أن تؤدي التحسينات في الكفاءة وحدها إلى تعويض هذا الطلب المتزايد. فقد أشار التقرير إلى ما يعرف بالتأثير الارتدادي، حيث تؤدي التكاليف المنخفضة وتحسن الأداء إلى زيادة معدلات الاستخدام، مما يفضي في النهاية إلى زيادة إجمالية في استهلاك الموارد.
أعباء محلية وفوائد عالمية
الآثار البيئية للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي لا تتوزع بشكل متساو. ففي حين أن فوائد هذه التكنولوجيا عالمية، إلا أن تكاليفها غالبا ما تتركز في مناطق محددة.
ففي بعض البلدان، تستحوذ مراكز البيانات بالفعل على حصة كبيرة من الاستهلاك الوطني للكهرباء، مما يضع ضغوطا على أنظمة الطاقة. وفي بلدان أخرى، تستنزف المنشآت المتوسعة موارد المياه بشكل كبير، حتى في ظل ظروف الجفاف أحيانا.
وفي الوقت نفسه، حذر التقرير من تحد متزايد يتمثل في النفايات الإلكترونية، حيث يتوقع أن تولد البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ما يصل إلى 2.5 مليون طن من النفايات الإلكترونية سنويا بحلول عام 2030. ومن المرجح أن يقع جزء كبير من هذا العبء على عاتق البلدان منخفضة الدخل التي تفتقر إلى القدرات الكافية للتخلص الآمن من هذه النفايات.
كما تثير عمليات إنتاج المعادن الحيوية اللازمة لأجهزة الذكاء الاصطناعي مخاوف بشأن التدهور البيئي وانعدام العدالة الاجتماعية في المناطق التي تتم فيها عمليات الاستخراج.
فجوة رقمية وبيئية تتسع
يؤدي توسع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي أيضا إلى خلق تفاوتات جديدة تتعلق بفرص الوصول والتأثير. ووفقا للتقرير، يتركز أكثر من 90 في المائة من القدرات الحاسوبية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي في دولتين فقط، هما الولايات المتحدة والصين. وفي المقابل، تفتقر أكثر من 150 دولة إلى بنية تحتية محلية ملموسة للذكاء الاصطناعي.
ولا يقتصر هذا الخلل في التوازن على الحد من الفرص الاقتصادية فحسب، بل يثير أيضا تساؤلات حول العدالة البيئية، إذ تتحمل بعض الدول التكاليف البيئية دون أن تحظى بنصيب من فوائد النمو المدفوع بالذكاء الاصطناعي.
نحو ذكاء اصطناعي مسؤول
على الرغم من هذه النتائج الصارخة، أكد باحثو جامعة الأمم المتحدة أن التقرير لا يهدف إلى معارضة الذكاء الاصطناعي في حد ذاته، بل يدعو إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لضمان تطور هذه التكنولوجيا ضمن الحدود البيئية للكوكب.
وطرحت الدراسة إطارا لـ "منظومة ذكاء اصطناعي مسؤولة"، ترتكز على مبادئ تشمل الشفافية، والكفاءة منذ مرحلة التصميم، والإنصاف، والمسؤولية طوال دورة الحياة، والتعاون العالمي، والاستخدام المستدام.
وحثت الحكومات على دمج البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في خطط الطاقة والمياه واستخدام الأراضي، وشجعت الشركات على تصميم أنظمة تقلل من استهلاك الموارد. كما يقع على عاتق المستخدمين دور أيضا، يتمثل في اختيار التطبيقات ذات الأثر البيئي الأقل كلما أمكن ذلك.
وفي الختام، خلص التقرير إلى أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يعتمد فقط على الابتكار التكنولوجي، بل أيضا على خيارات الحوكمة التي يتم اتخاذها اليوم.

لا يوجد تعليقات