ما الذي يخفيه الجليد في القارة القطبية الجنوبية؟ الأرقام تكشف أسرار القارة البيضاء .. دكتور عبدالمنعم صدقي استاذ بمركز البحوث ـ مصر

 

وراء جدران من الجليد قد يصل ارتفاعها إلى عشرات الأمتار، تمتد واحدة من أكثر المناطق غرابة على كوكب الأرض. لكن ماذا يوجد خلف هذه الحواف البيضاء؟ وهل ما زالت القارة القطبية الجنوبية تخفي أسرارًا لم يكتشفها الإنسان؟
من بعيد، تبدو القارة القطبية الجنوبية وكأنها عالم أبيض لا نهاية له. جبال جليدية شاهقة، وسهول متجمدة، ودرجات حرارة قاسية تجعل الوصول إلى مناطق واسعة منها مهمة شاقة. لكن العلماء لم يكتفوا بمراقبة سطحها؛ بل استخدموا الأقمار الصناعية والرادار والطائرات البحثية للنظر إلى ما تحت الجليد، وكانت النتائج مدهشة.
قارة عملاقة تحت غطاء من الجليد
تبلغ مساحة القارة نحو 14 مليون كيلومتر مربع، ويصل متوسط سمك غطائها الجليدي إلى قرابة كيلومترين، بينما يتجاوز أربعة كيلومترات في بعض المناطق. وتحت هذه الكتلة الهائلة، اكتشف العلماء جبالًا ووديانًا وأحواضًا عميقة لم تكن مرئية من سطح الأرض.
وفي عام 2025، أتاح مشروع «Bedmap3» خرائط أكثر تفصيلًا للتضاريس المدفونة تحت الجليد، اعتمادًا على ملايين نقاط القياس وبيانات المسح الجوي والراداري. وهكذا أصبحت أجزاء من العالم المخفي تحت الجليد أوضح للعلماء من أي وقت مضى.
هل يوجد جدار جليدي يحيط بالعالم؟
تُظهر الصور الحقيقية جروفًا جليدية ضخمة على سواحل القارة، تبدو أحيانًا كأنها أسوار بيضاء ترتفع فوق مياه المحيط. وهذه المشاهد هي أحد أسباب انتشار الحديث عن «الجدار الجليدي».
لكن القياسات والخرائط العلمية ترسم صورة مختلفة عن الادعاءات المتداولة: فالقارة لها سواحل متنوعة، تضم جروفًا جليدية عائمة ومناطق صخرية وتكوينات جليدية متعددة. ولا توجد أدلة علمية موثوقة تثبت وجود جدار متصل يحيط بالأرض أو يخفي وراءه قارات أخرى.
الجليد يتغير… والأقمار الصناعية تسجل كل شيء
الأمر الأكثر إثارة أن هذا العالم الأبيض ليس ثابتًا كما يبدو. فقد أظهرت بيانات ناسا أن القارة فقدت، في المتوسط، نحو 150 مليار طن من كتلة الجليد سنويًا بين عامي 2002 و2023. وتساعد الأقمار الصناعية العلماء على تتبع هذه التغيرات وقياس آثارها المحتملة في مستوى البحار.
ومع ذلك، لا تزال هناك أسئلة علمية مفتوحة عن تفاصيل بعض المناطق المدفونة تحت الجليد، وكيفية استجابة الأنهار الجليدية لتغير المناخ. لكن وجود مناطق لم تُدرس بالتفصيل لا يعني بالضرورة أنها تخفي عالمًا مجهولًا؛ بل يعني أن البحث العلمي لم ينتهِ بعد.
بين الحقيقة والخيال
ربما تكمن جاذبية القارة القطبية الجنوبية في أنها تجمع بين مشاهد تبدو خارجة عن المألوف وأسرار علمية حقيقية. غير أن الفرق بين الاكتشاف العلمي والأسطورة يظل واضحًا: فالصورة قد تثير السؤال، لكن القياس والدليل هما ما يساعدان على الوصول إلى الإجابة.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم: «ماذا يوجد خلف الجدار الجليدي؟»، بل: كم من أسرار كوكبنا لا يزال ينتظر من يكتشفه، وماذا ستكشف لنا القياسات العلمية القادمة؟
مصادر للاطلاع والتحقق: هيئة المسح البريطانية للقارة القطبية الجنوبية (British Antarctic Survey)، ومشروع Bedmap3 المنشور في مجلة Scientific Data عام 2025، ووكالة ناسا لبيانات فقدان الكتلة الجليدية خلال الفترة 2002–2023

مشاركة الخبر

الأخبار المتعلقة

تعليقات

لا يوجد تعليقات