الخطر الصامت في عبوات الطعام البلاستيكية : إعداد د.عبدالمنعم صدقي استاذ بمركز البحوث الزراعية ـ مصر

- Europe and Arabs
- الجمعة , 29 مايو 2026 5:29 ص GMT
قد يبدو الأمر صادمًا، لكن الإنسان يستهلك أسبوعيًا ما يقارب خمسة جرامات من البلاستيك، أي ما يعادل وزن بطاقة ائتمان تقريبًا، وفق تقديرات حديثة. تدخل هذه الجسيمات الدقيقة إلى أجسامنا عبر السلسلة الغذائية، سواء من الأغذية المحفوظة في العبوات البلاستيكية، أو من الأسماك والحيوانات التي ابتلعت بدورها جزيئات البلاستيك المنتشرة في البيئة. وحتى كوب الشاي اليومي لم يعد بعيدًا عن هذا الخطر، إذ تشير الدراسات إلى أن بعض أكياس الشاي البلاستيكية قد تطلق ملايين الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في الكوب الواحد.
بدأت التحذيرات العلمية من تلوث الغذاء بالبلاستيك منذ سبعينيات القرن الماضي، عندما اكتشف الباحثون انتقال بعض مكونات العبوات البلاستيكية إلى الأغذية، وهي الظاهرة التي عُرفت لاحقًا باسم “الهجرة”. ويقصد بها انتقال أجزاء دقيقة من مكونات البلاستيك إلى الطعام نتيجة الحرارة أو التخزين أو التفاعل مع الدهون والزيوت. ومن أخطر هذه المواد: الستايرين، وكلوريد الفينيل، والملدنات، وبعض المركبات الكيميائية المرتبطة بزيادة مخاطر الإصابة بالسرطان واضطرابات الهرمونات والتشوهات الخلوية.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة مع الاستخدامات اليومية الخاطئة للبلاستيك، مثل وضع الطعام الساخن داخل الأكياس أو الأطباق البلاستيكية، أو تخزين الزيوت والأطعمة الدهنية في عبوات غير مخصصة لذلك. فالحرارة والدهون تعدان من أهم العوامل التي تسرّع انتقال المركبات الكيميائية من البلاستيك إلى الغذاء. ولهذا يحذر الخبراء من وضع الخبز الساخن في الأكياس البلاستيكية، أو استخدام الأكواب الرغوية البيضاء مع المشروبات الساخنة، خاصة تلك المحتوية على الدهون مثل القهوة المضاف إليها مبيضات الحليب.
كما تمثل الأغلفة البلاستيكية الشفافة المستخدمة في المنازل، والمعروفة باسم “الاسترتش”، مصدر قلق صحي آخر، إذ تحتوي على مواد كيميائية تمنحها المرونة وقد تتسرب إلى الأغذية، خصوصًا الدهنية منها كالجبن والزبد. وتزداد الخطورة عند استخدام هذه الأغلفة داخل أفران الميكروويف، حيث تؤدي الحرارة إلى تسريع تسرب تلك المركبات إلى الطعام.
ولا يقتصر خطر البلاستيك على عبوات الطعام فقط، بل يمتد إلى منتجات العناية الشخصية ومستحضرات التجميل. فقد أطلقت منظمات بيئية عالمية حملات واسعة ضد استخدام “الميكروبيدات” وهي جزيئات بلاستيكية دقيقة تضاف إلى معاجين الأسنان ومستحضرات التقشير وأحمر الشفاه لتحسين الملمس والخواص التجارية. وبعد ضغوط علمية وبيئية، بدأت شركات عالمية بالتخلي عنها، كما أصدرت الولايات المتحدة قوانين تحظر إنتاج بعض هذه المنتجات.
وفي السنوات الأخيرة، حذرت تقارير علمية من التأثيرات الصحية المتزايدة للّدنات والجسيمات البلاستيكية الدقيقة على جسم الإنسان، خاصة الجهاز الهضمي، حيث قد تؤدي إلى اضطراب الميكروبيوم المعوي، وإتلاف خلايا الأمعاء، وربما زيادة احتمالات الإصابة بالسرطان. كما أثيرت مخاوف واسعة بشأن مادة “البيسفينول A” المستخدمة في بعض البطانات البلاستيكية، بعدما ربطتها الدراسات بمشكلات الخصوبة واضطرابات النمو العصبي وبعض أنواع السرطان.
إن مواجهة التلوث البلاستيكي لم تعد مسؤولية الحكومات وحدها، بل مسؤولية مشتركة تبدأ من سلوك المستهلك اليومي. فاختيار البدائل الآمنة، وتقليل استخدام البلاستيك، والابتعاد عن ملامسة الطعام الساخن للعبوات البلاستيكية، كلها خطوات بسيطة لكنها ضرورية لحماية الصحة والبيئة معًا. فالأرض لم تعد تحتمل المزيد من التلوث، والإنسان مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بإعادة النظر في عاداته الاستهلاكية حفاظًا على مستقبله ومستقبل الأجيال القادمة.

لا يوجد تعليقات